القرطبي
145
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : " بل الذين كفروا في عزة " أي تكبر وامتناع من قبول الحق ، كما قال جل وعز : " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم " [ البقرة : 206 ] والعزة عند العرب : الغلبة والقهر . يقال : من عز بز ، يعني من غلب سلب . ومنه : " وعزني في الخطاب " [ ص : 23 ] أراد غلبني . وقال جرير : يعز على الطريق بمنكبيه * كما ابترك الخليع على القداح ( 1 ) أراد يغلب . " وشقاق " أي في إظهار خلاف ومباينة . وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق . وقد مضى في " البقرة " ( 2 ) مستوفى . قوله تعالى : " كم أهلكنا من قبلهم من قرن " أي قوم كانوا أمنع من هؤلاء . و " كم " لفظة التكثير " فنادوا " أي بالاستغاثة والتوبة . والنداء رفع الصوت ، ومنه الخبر : " ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا " أي أرفع . " ولات حين مناص " قال الحسن : نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل . النحاس : وهذا تفسير منه لقوله عز وجل : " ولات حين مناص " فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس : " ولات حين مناص " قال : ليس بحين ( 3 ) نزو ولا فرار ، قال : ضبط القوم جميعا قال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص ، أي عليكم بالفرار والهزيمة ، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص ، فقال الله عز وجل : " ولات حين مناص " قال القشيري : وعلى هذا فالتقدير ، فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه ، أي ليس الوقت وقت ما تنادون به . وفي هذا نوع تحكم ، إذ يبعد أن يقال : كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار . وقيل : المعنى " ولات حين مناص " أي لاخلاص وهو نصب بوقوع لا عليه . قال القشيري : وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في " ولات حين
--> ( 1 ) البيت في وصف جمل ، يقول : يغلب هذا الجمل الإبل على لزوم الطريق ، فشبه حرصه على لزوم الطريق ، وإلحاحه على السير بحرص هذا الخليع على الضرب بالقداح لعله يسترجع بعض ما ذهب من ماله . والخليع المخلوع المقمور ماله . ( 2 ) راجع ج 2 ص 143 طبعة ثانية . ( 3 ) النزو : ضرب من العدو .